تنظيم البنية على مستوى الأبرشية

 الخوري عـاد أبـي كـرم
 
مؤتمر التعليم المسيحي في لبنان
 أيلول 1986 / البشرى عدد 6

         إذا كان تنظيم البنية على المستوى الوطني "مهمّة تعنينا جميعًا" – على ما ذكرنا، نقلاً عن الارشاد الرسولي – فما قولنا في التنظيم على المستوى الأبرشي؟ انّنا، على هذا المستوى، معنيّون أكثر فأكثر لأنّ المسؤوليّة، هنا، أصبحت أكثر قربًا منّا، والواجب أصبح أشدّ إلحاحًا علينا. فالأبرشيّة صورة الكنيسة الجامعة، ونحن فيها أعضاء فاعلون، مسؤولون، نتحرّك بحرّية ونلتمس عن قرب، نتائج تحرّكنا إلى جانب إخوتنا، أبناء الأبرشيّة.

        في نطاق الأبرشيّة، المرآة هي أكثر صفاء، والصورة أكثر وضوحا. الخطى محسوبة علينا والتصرّفات مرئية وملموسة، لذا فانّ انعكاسات الفشل أو الوهن كبيرة وخطيرة، مردودها أكثر سلبيّة ممّا هي على المستوى الوطني.

 الجميع معنيّون

 وفي نطاق الأبرشيّة، بديهي أن يكون الأسقف أوّل المعنيّين بمهمّة تنظيم التعليم المسيحي، فهو رأس الهرم وله الحقّ المطلق، وعليه الواجب أن يكون على بيّنة، بل أن يكون معنيًّا بكلّ ما يجري على أرض أبرشيته ولاسيّما في مجال التعليم المسيحي والرسالة.

فقد أوكلت الكنيسة في مناسبات مختلفة – ومنها في الإرشاد الرسولي للبابا يوحنا بولس الثاني – أوكلت إلى الأساقفة رسالة خاصة في كنائسهم التي هم فيها "أوّل من يلتزم بواجب تلقين التعليم المسيحي وخير من يعلّم هذا التعليم". "وانّ هذا الواجب، يقول قداسته، يجب أن يفوق أي اهتمام آخر، أيًّا كان. فالأساقفة مدعوون بالحاح على نقل عقيدة الحياة بذواتهم إلى أبنائهم المؤمنين، وعلى تولّي إدارة التعليم المسيحي العليا في أبرشياتهم، متّخذين لهم، في عملهم، معاونين مجرّبين، جديرين بالثقة". ويضيف قداسة البابا مخاطبًا الأساقفة:

        "وأبرز مهمّاتكم عملكم على اذكاء نار الحميّة وابقائها مشتعلة في أبرشياتكم، في ما خصّ التعليم المسيحي، وهي حميّة تتمثّل بتنظيم مؤات، فعّال، وتشمل الأشخاص والوسائل والأدوات وكذلك الأموال اللازمة، وتعمل على تطوير هذا كلّه. وكونوا مقتنعين بأنّ سائر الأمور تتسهّل، إذا تمّ تلقين التعليم المسيحي، كما يجب، في الكنائس المحليّة".

بهذا الارشاد يخاطب رأس الكنيسة رؤساء الأبرشيات، دون أن يهمل دور الكهنة في هذا المجال، فهم – على حدّ تعبيره – "أقرب المعاونين لأساقفتهم "إذ دعاهم المجمع "مربّي الايمان". والكنيسة ترغب إلى الكهنة في الا يدّخروا وسعًا في سبيل تنظيم التعليم المسيحي أحسن تنظيم وتوجيهه أحسن توجيه، انّى كان نطاق رسالتهم.

أمّا الشمامسة، وهم معاونو الكهنة، فيجب أن يساهموا مع الرعاة في واجب تأمين التعليم لجميع المؤمنين دون تقاعس أو إبطاء.

وتشمل الدعوة أيضًا، وبالحاح، الراهبات والرهبان لاسيّما وقد راحت تتوطّد العلاقة بين الرهبان والرعاة، ويرغب بالتالي، في حضور الرهبانيات وأعضائها في ما تقوم به الكنائس المحليّة من مشاريع رعويّة، فيتأهّبوا على أحسن وجه للقيام بالمهمّة وفقًا لدعواتهم الرهبانيّة المختلفة ووفقًا للمهمّات الموكولة إليهم حيثما يطلب منهم ذلك.

ولم تنسَ الكنيسة معلّمي التعليم المسيحي، العلمانيّين:

"انّ الجمعية الرابعة لمجمع الأساقفة لم تنسكُم، وانّا معها، يضيف قداسته، نحضّكم على مواصلة المساهمة في حياة الكنيسة... وانّا نشجّع من صميم القلب جميع الذين يعملون الآن في هذا الحقل، ونتمنّى أن يخلفهم الكثيرون غيرهم وأن يزداد عددهم للقيام بعمل لا غنى عنه للرسالات".

        أيّها الكرام،

        إذا كنّا قد استفضنا بالاستشهاد بكلام قداسة البابا، الوارد في رسالته "حول واجب تلقين التعليم المسيحي في عصرنا" فلكي نتذكّر معًا ما علينا جميعًا، من مسؤوليّات رسوليّة في الأبرشيّة.

        فإذا كان الأسقف، رأس الأبرشيّة، هو المسؤول الأوّل عن تنظيم الرسالات فيها، فانّ مسؤولية الأعضاء لا تقل أهمّية عن مسؤولية الرأس، فلكلّ دوره ومكانته في هذا الجسم. ولا عمل يكتب له النجاح ما لم يكن وليد التنسيق بين مختلف الأعضاء.

ماذا علينا أن نفعل؟

هذا السؤال، الذي تردّد كثيرًا في الكتاب المقدّس، نعيد طرحه اليوم على ذواتنا وكأنّنا نفتّش، بواسطته، عن دور لنا في الأبرشيّة، يأتي من التنظيم البنيوي الذي ننتظره.

فأبرشياتنا ينقصها التنظيم المطلوب لبنية التعليم المسيحي، ولسنا هنا في مجال النقد ولكن في مجال الاصلاح. كيف نريد هذا التنظيم وماذا نقترح لتحسين أجهزة التعليم المسيحي في أبرشياتنا؟

لا نودّ الدخول في ما تقوم به بعض الأبرشيات عندنا من محاولات رائدة في حقل تنظيم الرسالة، حسبنا أن نقدّم اقتراحنا، تمهيدًا لدرسه ومناقشته من قبلكم، علّنا نخرج بتوصية في هذا الشأن، عملية ومفيدة.

تنظيم التعليم المسيحي في الأبرشية نراه وفق الهيكليّة التالية:

إنشاء مجلس أبرشي للتعليم والرسالة

إنشاء مكتب تنفيذي يتولّى إدارة مركز التعليم والرسالة

تسمية مسؤول عن التعليم والرسالة في الأبرشية

أمّا المسائل المتعلّقة بالتعيين والاختصاصات، والتمثيل والصلاحيات وتشابك العلاقات فيترك أمرها لراعي الأبرشية.

ماذا عن المجلس الأبرشي للتعليم والرسالة؟

يتألّف هذا المجلس من:

        - الأسقف، وهو المسؤول الأوّل عن التعليم والرسالة

        - المسؤول عن التعليم والرسالة

        - ثلاثة كهنة من الأبرشية، على أن يراعى في انتقائهم التمثيل المناطقي

        - الكاهن المسؤول عن الدعوات الكهنوتية والرهبانية

        - مدير احدى المدارس الرسمية

        - مدير احدى المدارس الخاصة

        - مدير المدارس المجّانية التابعة للمطرانية

        - معلّمة ومعلّم علمانيّان يمثّلان المدارس الرسميّة

        - معلّمة ومعلّم علمانيّان يمثّلان المدارس الخاصّة

        - راهبتان من الراهبات اللواتي يعملن في هذا الحقل في نطاق الأبرشية

        - راهبان، بالصفة عينها

        - ممثّل للمنظّمات العاملة في الأبرشيّة

        - المسؤول عن الرعيّة الجامعيّة في الأبرشيّة

        - مدير معهد إعداد معلّمي التعليم المسيحي

        - والد ووالدة ملتزمان مسيحيًا.

        تكون مهمّة هذا المجلس المؤلّف برئاسة الأٍسقف وإشرافه، رسم السياسة العامّة للتعليم والرسالة في نطاق الأبرشية. وله أن يراقب حسن تنفيذ هذه السياسة وأن يعالج المشاكل التي قد تتأتّى أثناء تنفيذها.

 

2) أمّا المكتب التنفيذي للمجلس الأبرشي فيتكوّن من:

        - المسؤول عن التعليم والرسالة في الأبرشية (الذي يكون أيضًا مدير مركز التعليم والرسالة)

        - كاهن رعيّة                  - راهبة

        - المسؤول عن الدعوات       - والد ووالدة

        - راهب                       - ممثّل المنظّمات

        وتكون مهمّة هذا المجلس تنفيذ سياسة المجلس الأبرشي وملاحقة تفاصيلها اليوميّة ممّا يلزم المسؤول عنه أن يكون متفرّغًا ليؤمّن دوامًا كاملاً لعمله.

3) المسؤول عن التعليم والرسالة في الأبرشيّة

        - يعيّنه الأسقف من أصحاب الخبرة والعلم والمسؤوليّة، ويكون متفرّغًا لعمله.

        - يعاون الأسقف ويمثّله في كلّ النشاطات التعليميّة والرعويّة.

        - يرئس المجلس الأبرشي للتعليم والرسالة في غياب الأسقف أو يطلب منه، ومعه

   يخطّط ويضع روزنامة عمل للمدى القريب والبعيد.

- يحضر بصورة منتظمة، مع سائر المسؤولين الأبرشيّين، الاجتماعات التي يدعى إليها من قبل اللجنة الأسقفيّة أو المركز الوطني.

- يكون صلة الوصل بين اللجنة الأسقفيّة والأسقف وكلّ القطاعات في الأبرشيّة.

- ينفّذ في أبرشيته، وبعد موافقة الأسقف، ما يكون قد تقرّر في اجتماعات المسؤولين الأبرشيّين.

- يلبّي طلبات اللّجنة الأسقفيّة المتّفق عليها كالاحصاءات وما شابه.

- يعتبر نفسه مسؤولاً عن التعليم المسيحيّ في كلّ مدارس الأبرشيّة، الرسميّة والخاصّة.

- ينظّم اجتماعات لمدراء المدارس الرسميّة والخاصّة بغية التنسيق معهم في ما يهــمّ التعليم المسيحيّ.

- يسهر على تأمين محرّكين روحيّين ((animateurs spirituels في كلّ المدارس وينظّم لهم اجتماعات دوريّة لتبادل الخبرات ولتنظيم الحياة الدينيّة في المدارس.

- ينظّم اجتماعات لمعلّمي التعليم المسيحيّ بحسب الصفوف أو بحسب مراحل التدريس لتدارس بعض الأمور والمشاكل التي تعترضهم وللبحث في الحلول وتبادل الخبرات.

- يساعد المحرّكين الروحيّين في كلّ مدرسة على خلق نواة مسيحيّة ملتزمة في كلّ من الفئات التالية: المعلّمين، الطلاّب، ذوي الطلاّب، قدامى المدرسة.

  وينظّم لهم اجتماعات دوريّة وفي كلّ منطقة من الأبرشيّة، ولعدّة مدارس مجتمعة.

- يساعد بالتنسيق مع لجنة الدعوات في الأبرشيّة، على العمل كي يكون كلّ تعليم وكلّ عمل رعوي هادفًا إلى اكتشاف الدعوات وتنشيطها وتعزيزها.

- يسهر على إيجاد مراكز للتثقيف الديني أو على تجميعها وعدمهـا ليعدّ فيها معلّميـن للتعليم المسيحيّ.

- ينظّم دورات تدريبيّة، بمساعدة اللّجنة الأسقفيّة إذا اقتضى الأمـر، لمعلّمـي التعليـم المسيحيّ في كلّ المواضيع التي تهمّ عملهم.

- كما ينظّم لمعلّمي التعليم لقاءات روحيّة ليتمكّنوا من الشهادة الحقّة في حياتهم.

- ينظّم، بمشاركة المسؤولين في المدارس، رياضات روحيّة للمعلّمين والأهل والطلاّب والقدامى.

- كما يساهم في تنظيم قدّاس يحتفل به في مطلع كلّ عام دراسي، يكون خاصّا بمدراء المدارس الرسميّة والخاصّة وبمعلّمي التعليم المسيحيّ فيها، يرئسه راعي الأبرشيّــة ويعطي فيه توجيهاته في انطلاقـة السنة الدراسيّـة ويسمّى "قـدّاس الارسـال"  (messe d’envoi).

أيّها المؤتمرون الكرام،

        هذه الأفكار تصلح، بنظرنا، لتكون أساسًا لهيكليّة متينة تتبنّى العمل الرسولي والتعليمي الذي يتمّ في الأبرشيّة، وهو عمل أولته الكنيسة الأهميّة القصوى – على ما عرضنا في مطلع هذه المداخلة – وركّز عليه أيضًا رعاتنا في توجيهاتهم المختلفة منها مقرّرات مجلس البطاركة والأساقفة، المنعقد في دير اللويزة في 28/7/1979 وفيها التشديد على دور المسؤولين عن التعليم المسيحي، رجال دين وعلمانيّين، وعلى رسالة المعلّمين ونشاطات الطلاّب ذات الطابع الروحي والديني.

        يبقى أن نتمنّى لهذا المؤتمر أن يكون جوابًا لتوجيهات الكنيسة ومقرّرات رؤسائنا، وأن تأتي أعمالنا نتيجة مسؤوليتنا الواعية، وهي مسؤوليّة تنطلق من ذواتنا لتشعّ في محيطنا كلّه.